محمد رأفت سعيد

150

تاريخ نزول القرآن الكريم

أولى الشفاعات وهي المقام المحمود ، فيجىء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء ، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا ، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قال الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » فهذه الصورة المهيبة التي يطالعها الإنسان في سورة الفجر وكأنه يشاهدها رأى عين عندها يتذكر الإنسان عمله وما كان أسلفه من خير أو شر ، ولكن يومئذ هل تنفعه الذكرى ؟ ساعتها سيندم على ما كان سلفا منه من المعاصي إن كان عاصيا ، وسيودّ - أيضا - لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا . كما قال الإمام أحمد - رحمه الله - فيما يرويه عن محمد بن عمرة « 1 » ، وكان من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة ، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب . فيومئذ ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله سبحانه من عصاه ، وليس أحد أشد قبضا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل . وهذا العرض القرآني يزجر الناس ويعينهم على الخلاص من أدران الجاهلية ومن الإجرام والظلم والاستقامة على صراط ربهم المستقيم ، وتكتمل هذه الصورة بما يحفز أصحاب النفوس الزكية المطمئنة التي تستقبل وحى ربها لتسير عليه ، وتدور مع الحق حيث دار ، عندما يوجه إليهم هذا الخطاب الكريم الذي يغمر النفس بالسعادة والهناء والرضى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) وهذا يقال لها عند الاحتضار ، وفي يوم القيامة . وقال ابن أبي حاتم فيما يرويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) قال : نزلت وأبو بكر جالس فقال : يا رسول الله ما أحسن هذا ، فقال : « أما إنه سيقال لك هذا » « 2 » وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي عن أبيها حدثني سليمان ابن حبيب المحاربي حدثني أبو أمامة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال لرجل : « قل اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك ، وترضى بقضائك ، وتقنع بعطائك » .

--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 510 . ( 2 ) ابن كثير 4 / 510 ، 511 .